يحي الأحمدي يكتب للموقع بوست عن: ثورة فبراير.. الانطلاق والانجاز والتحديات

0 1


نسقبل الذكرى الـ8 لثورة الحادي عشر من فبرايربعد أن احتفينا بثورتي سبتمبر وأكتوبر, وتذكرنا نضالات شعبنا وتضحيات الأبطال الذين سطروا أروع الملاحم, وأنجزوا أعظم المهمات؛ حينما أعادوا للشعب حريته, وللوطن استقلاله, وجسدوا واحدية الثورة اليمنية من خلال مسيرة الخلاص الوطني من الحكم الإمامي الرجعي المتخلف في 1962, ونيل الاستقلال الذي توج في 1967.

 

  كان طريق الحرية خيارا مشتركا بين أبناء اليمن شمالا وجنوبا, حينما أدرك الأبطال أنه لا فرق بين الاستبداد وبين الاستعباد ولا حياة بكرامة في ظل الإمامة والاستعمار, ومن هذا المنطلق جاءت الهبة الثورية في وجه الطغيان, وحقق الأحرار معجزة بكل المقاييس, وقدموا أنموذجا فريدا في التضحية والكفاح لنيل الحرية والاستقلال.

 

ثورة فبراير وإرهاصات الانطلاق

 

 من المعلوم سلفا أنه لم يسبق لأي ثورة  في العالم أن جاءت كحالة عبثية أو ترفية، وبدون أسباب ومطالب مشروعة لدى مختلف فئات الشعب. هذا الأمر ينسحب على ثورة 11 فبراير 2011 الشعبية السلمية، التي تفجرت لأسباب منطقية، بعد أن كانت الدولة تنهار كل يوم والمشاريع الصغيرة تنخر في الجسد اليمني من الشمال والجنوب والفساد يعم البلد والفقر يتهدد الملايين والحروب تنشب بين الحين والآخر والدولة تفقد هيبتها فيما الانشغال الأكبر كان يتمحور حول التضييق على حرية الناس واحتكار السلطة والثروة بيد عائلة, واختزال الوطن في أسرة.

 

وهنا أدرك الشباب أن الخطر لم يعد ينحصر على الحياة المعيشية المتسارعة  في التدهور، وارتفاع معدل الفقر ونسبة البطالة، ونهب المال العام والعبث به، وغياب مختلف الخدمات كالتعليم والصحة والكهرباء والطرقات وغيرها، وإنما طال المكاسب التي حققها الأحرار والمناضلون منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

 

من هنا جاء دور أحفاد ثوار سبتمبر وأكتوبر الذين قرروا استكمال مسيرة التحرير من خلال ثورة ال11 من فبراير, وإعلان ميلاد الجمهورية الثانية, وتدوين ذلك المجد الذي سطره الشباب اليمني الحر وعدا باسقا وآملاً مرتجى. و حتى اللحظة لا يزال العهد هو العهد والوعد هو ذات الوعد, والدرب الذي كان واضح المعالم أصبح سالكاً وموصلاً.

 

لم يكن التحدي تحدياً عادياً أملته سنوات الاستبداد والتسلط والحكم الوراثي فحسب، ولكنه كان تحدي الظرف الذي أملته تراكمات السنين الملبدة باليأس من التغيير والمشحونة بالتسليم المطلق بالحال والمآل. ولم يكن التكليف الذي فرضه شباب اليمن سهلاً سهولة المتاح والممكن، ولكنه كان صعباً صعوبة اللاممكن واللامتاح. غير أن الشباب المتطلع إلى فجر الحرية والمتعطش لنسائمها وعد فما أخلف وتعهد فأوفى، يوم أن كانت النية خالصة والغاية الثريا وعندها تم المرام.

 

كان وعد الشباب أن يكونوا المخلص لشعبهم؛ إدراكاً منهم أنهم في عيونه المستقبل المشرق، وبين واقعه القدر المحتوم في أن يكونوا أو لا يكونون.

 

وكان وعدهم أن يكونوا في صف المظلومين أصحاب الحق أينما كانوا.. وأن تظل راية الشهداء تناطح الجوزاء وأن الوصية التي كتبوها بدمائهم ستظل دليلهم وحادي ركبهم في المسير. وكان وعدهم أن يعملوا دون فتور حتى يعلوا القيمة ويرفعوا المعنى, وكان عهدهم أن يظلوا ثابتين في ساحات الشرف وميادين الحرية  ليعطوا للشعب الأمل ويزرعوا فيه الأمنيات.

 

وما بين الوعد والعهد امتدت ساعات وأيام وشهور وسنون من العمل الثوري لتشكل حلقات من العطاء المتواصل الذي لا يعرف السكون؛ بما يمكنهم من تسطير ملحمة جديدة من ملاحم البذل والعطاء، كان أبطالها الشهداء القادمون على صهوات جياد الخير ليكتبوا تاريخ الشعوب حين تثور في وجه مستبديها.

 

لقد كانت ثورة الشباب وعداً مع التاريخ، ولقاء مع العهد، وكانت تطلعاً نحو مستقبل واعد أبطاله الشباب الثائر بما امتلكوا من الروح المتجددة والعزائم القوية التي أحالت اليباب خضرة واليأس قوة وعزيمة.

 

تحديات مبكرة

 

 لم يكن التحدي مقتصرا على الآلة العسكرية ولا عنف النظام المفرط في قمع المتظاهرين سلميا؛ بل كان تحدي المحاولات المستميتة والمراهنات الحقيقية على ضرب المشروع الثوري من الداخل وفتح جبهات داخلية تحرف مسار الثورة  حتى من أولئك الذين انخرطوا في الثورة, ونصبوا خياما لهم في الهامش الثوري, وعبروا عن سخطهم وما تكنه صدورهم بطريقة انتحارية، فما أن رأوا الثورة تشق طريقها بثبات وتحقق الانتصارات المتتالية حتى أحسوا برهبة في صدورهم فبدأوا يفكرون في حرف مسارها.

 

لقد دخلوا الساحات في ثياب الواعظين والناصحين يتلمسون مواطن الجروح ويبحثون عن العيوب التي لا يمكن لأحد أن ينكرها ويضخمونها ويتحلقون حولها. لقد جعلوا من أنفسهم محامين ومحققين وقضاة.. يحذرون الثوار من الثوار ويلمعون النظام ويتقربون منه على حساب الثوار وباسم الخوف على الثورة .

 

الحوثيون السم الذي دُسّ في العسل

 

 كان الحوثيون قبل 11فبراير2011 قد خاضوا (6)حروب وأوقعوا في صفوف الجيش ما يقارب من(60)ألفا بين قتيل أو جريح باعترافهم, وكانت محافظة صعدة قد أصبحت في قبضتهم إضافة إلى أطراف حجة, وكان ميناء ميدي يسهل وصول الأسلحة عبر عمليات التهريب المنظمة, وفي المقابل كان المشروع السلالي يتوغل في مفاصل الدولة, وفي صفوف الحرس الجمهوري, ومخرجات المجلس الأعلى للهاشمية السياسية تسير وفق خطة مرسومة لاستكمال الانقضاض على الدولة بطريقة سهلة وميسرة؛  لكن ثورة 2011 أربكت الخطة فلم يجد الحوثيون من سبيل سوى الانخراط فيها، فاشترط عليهم شباب الثورة التخلي عن السلاح والعمل السلمي في إطار كل المكونات في الساحة اليمنية.

 

 لم يصمد الحوثيون طويلا وسرعان ما بدأوا بالعمل على شق الثورة من خلال العديد من المظاهر، والخروج عن قرارات اللجنة التنظيمية للثورة واستفزاز المعتصمين. غير أن ذلك لم يشكل خطرا على الثورة؛ لاسيما أن نسبتهم لم تشكل أي رقم في ساحات الحرية وميادين التغيير.

 

ثورة شعب وطموح أجيال

 

كانت ثورة الشباب أكبر من أن تعيقها جماعة أو يقف في وجهها طغيان, لقد كانت محصنة برصيدها الشعبي,  حيث عبرت عن مطالب مختلف فئات المجتمع حينما استلهمت أهدافها من أهداف ثورتي ال26 من سبتمبروال14 من أكتوبر وإن تعددت الأهداف إلا أنه يمكن اختصارها على النحو الآتي:

 

1- إسقاط النظام الفردي الاستبدادي .

 

2- بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تكفل الحقوق والحريات العامة, وتقوم على مبدأ التداول السلمي للسلطة, والفصل بين السلطات واللامركزية الفاعلة.

 

3- تحقيق نهضة تعليمية شاملة تلبي تطلعات الشعب اليمني وتستعيد مكانته الحضارية .

 

4- بناء اقتصاد وطني قوي يكفل حياة كريمة للمواطنين .

 

5- إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية حديثة, وبما يضمن حياديتها.

 

6- استقلالية السلطة القضائية بما يضمن تطبيق العدل والمساواة.

 

  وكانت هذه  المرتكزات هي أهم المكاسب التي رسختها حركا ت النضال والتحرر الوطني وعمدتها بالدم، ومن هذا المنطلق جاء إصرار الشباب على تحقيقها.. لا سيما وهم يعتقدون أن التنازل عن ثوابت النظام الجمهوري ومختلف المكاسب الأخرى يعني استبدال النظام الجمهوري بنظام عائلي فاسد، ويعني ذلك المزيد من الاستبداد والفقر والجوع والبطالة والجهل والمرض والعبث بالمال العام، وأن الحل الوحيد لكل ذلك هو الثورة ضد النظام العائلي الفاسد مهما كان الثمن.

 

هل نجحت ثورة الشياب؟

 

 كانت ثورة الشباب قد حققت أهم أهدافها وانتصرت سلميتها أمام آلة القتل بفضل التضحيات التي بذلها الشباب, لقد حشرت هذه الثورة خصومها في زاوية ضيقة وأجبرتهم على احترامها, ونالت تعاطف الملايين حتى ممن وقفوا في وجهها, وحشدت الاعتراف الدولي بها, وأجمع العالم على مشروعية مطالبها. لقد أفرزت واقعا مختلفا ومرحلة جديدة, لا سيما بعد أن جاءت برئيس جديد سلّم الجميع به كخيار وسط بين الأطراف, واستطاعت ثورة الشباب أن تجنب اليمن حربا مدمرة, وأجلست اليمنيين على طاولة واحدة لمناقشة كل نقاط الخلاف والسير باليمن إلى برالأمان وتوج ذلك الحدث التاريخي بمخرجات حوار وطني شامل, في ظل حكومة توافقية عاشت اليمن خلالها أفضل سنواتها, وتنفس الشعب اليمني الصعداء وهو يرى النور المشع في جبين هذا الشعب والنقطة المضيئة المتمثلة في ثورة 2011 .

 

عودة الإمامة

 

أدرك الحوثيون أن مخرجات الحوار الوطني قد أجهزت على أحلامهم, وأن الثورة الشبابية السلمية قد حالت دون تحقيق حلم المشروع السلالي, فنفذوا أخطرعملية التفاف -لاعلى ثورة الشباب وحسب, وإنما- على الجمهورية, وتمكنوا من تحقيق أهداف مشروعهم- ولو بشكل مؤقتة- واستغلوا الأحقاد التي تملأ قلوب خصوم ثورة الشباب, وغياب الحس الوطني لدى بعض القوى, واتخذوا من صراع الأيدولوجيات وغباء الأحزاب السياسية جسرعبور, ولعبوا على أكثر من حبل, واستفادوا من ظروف المرحلة وانقضوا على الدولة والجمهورية والثورة.

 

وقد كان هدفهم الأول بعد اغتصاب الدولة قد توجه نحو قوى ثورة فبراير ورموزها, فمارسوا بحقهم أبشع أساليب الانتقام؛ لاعتقادهم أنهم بالقضاء على أولئك الرموز ستخلو لهم الساحة دون معارضات أو مضايقات أو احتجاجات, ثم اتجهوا بعد ذلك نحو الثورة ذاتها وقدموها في صورة مشوهة ومحوا كل شيء حسن يتصل بها.

 

التجني على الثورة

 

مع كل ذكرى لثورة 11 فبرار السلمية، يخوض خصوم الثورة جدلا واسعا، إذ يحملونها بكل غباء  مسؤولية  كل ما تشهده البلاد اليوم من حروب وخراب ودمار وتدخل أجنبي، وتمزق سياسي واجتماعي ومذهبي، ويرون بأنه لولا الثورة لما وصل الحال في البلاد إلى ما هو عليه اليوم.

 

والأشد غرابة أن يعطل كثير من هؤلاء عقله وينجر خلف أحقاده وهو يدرك تمام الإدراك أن ثورة الشباب قدمت عامين في مهدها من أفضل سنوات النهوض والتنمية والحرية. ويدركون أيضا أن الإمامة لم تتوقف منذ هزيمتها في 62 ومن ذلك الوقت وهي تخطط وترتب صفوفها من أجل استعادة ما يسمونه الحق الإلهي في الحكم والتسلط.

 

 بين ثورة شعب ومشروع سلالة

 

   لقد جاءت ثورة 2011 من أجل مستقبل أجيال قادمة متسلحة بالعلم والمعرفة وبقصد تحقيق نهضة تعليمية شاملة تلبي تطلعات الشعب اليمني؛ لكن هذه المليشيات منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء أجهزت على العملية التعليمية, وتفننت في نشر الجهل ومحاربة التعليم, مستهدفة العملية التعليمية بأركانها المختلفة ابتداء من أساتذة الجامعات والمعلمين في المدارس الذين تعرضوا لألوان الإرهاب وأشكال التنكيل وصولا إلى مصادرة مرتبات العاملين في السلك التعليمي, كما عطلت مليشيات الحوثي المنشآت التعليمية وحولت الجامعات والمدارس الى ثكنات عسكرية، وحرّفت المناهج التعليمية ونشرت أفكارها الطائفية، وأجبرت الطلبة على ترديد شعاراتها الكاذبة, فضلا عن إقامة المحاضرات والندوات التي تروج لفكرها العنصري السلالي المتطرف.

 

لقد اختارت ثورة الشباب شعار السلمية عنوانا لها فكانت الأمل والطموح, فيما اختارت المليشيات الحوثية شعار الموت فكانت الكارثة والدمار والهلاك.

 

  ثورة 2011 تحمل تبعاتها الثوار وحدهم ولم يكونوا طرفا في أي اعتداء.. لم يهدموا بيتا أو يحرقوا شجرة أو يعتدوا على قسم شرطة, لقد كانت السلمية شعارهم ودفعوا ثمن سلميتهم فسالت دماؤهم في كل جولة وعلى كل شبر من ثرى هذا الوطن, وهم يواجهون ثنائي الهلاك: الطغيان والشيطان بينما دشنت مليشيات الحوثي مشروعها الدموي بصورة بشعة, وبثت الهلع والخوف في كل بيت, ووزعت الموت على  كل أسرة, وحولت حياة الشعب إلى جحيم.

 

  أفرزت ثورة 2011 مخرجات حوار وطني شامل شارك في صياغتها كل أبناء الشعب, وكانت تلك المخرجات كفيلة بأن تجعل اليمن أنموذجا بين الأمم, وتصبح التجربة اليمنية تجربة فريدة لم يشهد العالم لها مثيلا.. بينما رسم الانقلابيون الحوثيون خلال ساعات أبشع صورة في التخلف والقهر والقتل والدمار والكبت والفساد والظلم والاستبداد.

 

  ثورة 2011رفعت سقف الحرية وأعادت للإنسان اليمني كرامته, وخلال عام واحد ازدهرت حرية الإعلام وفتحت عشرات القنوات والإذاعات بينما قام الإنقلابيون خلال أسبوع  بإغلاق كافة المنابر الإعلامية والمؤسسات الصحفية, ومصادرة ممتلكاتها واختطفوا الصحفيين, وأودعوهم السجون, واتخذوا من بعضهم دروعا بشرية, ووضعوهم في مخازن الأسلحة والمعسكرات.

 

   ثورة 2011نظمت العلاقة بين رجل الأمن والمواطن بينما أعطى الإنقلابيون لأصغر مسلح حرية توقيف أي مواطن واختطافه, ومصادرة ممتلكاته, وتشريده وقتله في أي وقت وفي أي مكان.

 

   أتاحت ثورة الشباب حرية التعبير للجميع ونظمت العلاقة بين الحاكم والشعب والوزير والمدير والضابط والجندي والموظف.. بينما منح الإنقلابيون أفسد موظف في أي مؤسسة يدين لهم بالولاء حرية مطلقة في ممارسة أنواع أعمال التعسف, ومصادرة كرامة المواطن وحقوقه وحياته إذا لزم الأمر.

 

   باختصار شديد كانت ثورة 2011 قد استحوذت على إعجاب العالم بسلميتها ونبلها وألقها فحشدت الدعم الدولي لليمن ومؤازرته وشجعت الاستثمار والصناعة والتجارة, ووظفت في عام واحد ما يقارب من 60  ألفا, وأطلقت العلاوات السنوية, ورفعت الأجور, وحافظت على العملة المحلية من الانهيار, فيما جلبت نكبة 2014 سخط العالم ووضعت الشعب اليمني في عزلة دولية, وجعلته وجها لوجه مع الموت والمرض والفقر؛ فإذا اليمن بكل جباله وسهوله أشبه بخيمة عزاء.

 

ختاما

 

لم يتخلّ أحرار ثورة 2011 عن وطنهم ولم يتركوا واجبهم نحو ش  عبهم, بل إنهم حينما أدركوا أن ثورتهم تعرضت لعملية التفاف حقيقية قرر كثير منهم منذ الوهلة الأولى للانقلاب التصدي للمشروع الإمامي, ومن أجل ذلك سالت دماؤهم  مبكرا في صنعاء وعمران وأمانة العاصمة, وتناثرت أشلاؤهم بعد ذلك في مختلف الجبهات, الانقلابيون استنفدوا كل مقومات بقائهم, ولا يزال في مخزون الأبطال كثير من عوامل النصر والعد التنازلي لإعلان الحسم يقترب كل يوم.

 

*الدكتور يحي الأحمدي .. كاتب سياسي وباحث أكاديمي يمني.

يمكن قراءة الخبر في المصدر من هنا من الموقع بوست



Source link

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Loading...