سكينة صلاح الدين..”تطوِّق الحياة” وترسم القدس

0 7

عاطف دغلس-حزما (القدس)

بين ذراعيها طوَّقت الحياة، فأمسكت جيدا بعجلة تدور رحاها في فراغ كبير علها تنسى هموما وواقعا صار أكثر مأساوية، لكن ما يُصبِّرها أو يزيد مُرَّ حياتها أنه ليس حالها وحدها كطفلة فلسطينية مشردة، وإنما الواقع الذي يعيشه الكثيرون من الأطفال في محيطها العربي.

“تطويق حياة” هو الاسم الذي أطلقته الفنانة المقدسية سكينة صلاح الدين على لوحة تشكيلية أهلتها للفوز بالجائزة الأولى على مستوى الوطن، في مسابقة إسماعيل شموط للفن التشكيلي التي أعلنت نتائجها مطلع الشهر الجاري بمدينة بيت لحم.

لم تكن “تطويق حياة” باكورة أعمال سكينة الفنية المتنوعة، لكنها الأولى التي منحتها مزيدا من الثقة بنفسها وبإبداعها الفني بأعمال الرسم الخاصة بـ لاند سكيب (الطبيعة).

في أواخر يناير/كانون الثاني الماضي قرأت سكينة (29 عاما) عن جائزة إسماعيل شموط للفن التشكيلي، وفي اليوم التالي رسمت لوحتها. وتقول إن عملها تميز دون غيره من بين 67 مشاركة فنية من فنانين بالضفة الغربية.

دوامة التشرد

و“تطويق حياة” كما تراها سكينة هي دوامة التشرد اللامتناهي من منفى إلى منفى ومن خيمة إلى أخرى، وتحاول تلك الطفلة “بطلة اللوحة” التي تدور على أرجوحة أن تفرض سيطرتها على محيطها الصغير الذي تتصارع فيه الأحداث، وكل شيء يتغير به بسرعة عدا كونها لاجئة.

لكن هذا اللجوء كان جليا في حياة سكينة قبل أكثر من 15 عاما حينما عزلها الاحتلال وأهالي بلدتها حزما شمال مدينة القدس خلف جداره العازل الذي شيده فوق أراضي المواطنين هناك، وباتت تعاني كغيرها الأمرين لدخول المدينة “ومنذ سنوات الإغلاق لم تتجاوز مرات دخولي للقدس أصابع اليد الواحدة”.

لكن سكينة لم تُسقط المدينة المقدسة من أعمالها ولم يُنسها علو جدار الاحتلال ذكريات طفولتها التي ترجمتها لأعمال جسدت بها واقع المدينة بحاراتها وأزقتها لا سيما البلدة القديمة والمسجد الأقصى، واختارت لذلك ألوانا تحاكي الأمل والانتصار رغم ظلم الاحتلال وقهره.

“تطويق حياة” أهلت سكينة صلاح الدين للفوز بجائزة على مستوى الوطن (الجزيرة)

واكتشفت سكينة موهبتها منذ الصغر فأبدعت بإسقاط رسوماتها على أيدي صديقات الطفولة، ثم ما لبثت أن تابعت دراستها الجامعية بالفن لتجد نفسها أكثر بمتابعاتها الذاتية والتحاقها بدورات لتطوير موهبتها.

“قرأت عن الفن التشكيلي وأنواعه أكثر مما رسمت، وتابعت عن قرب الانتقادات على أعمال فنانين كبار” تقول سكينة، وتضيف أنها ليست تقليدية ولهذا ابتاعت لنفسها كاميرا لتحول ما تلتقطه بعدستها للوحات فنية.

كان ذلك واضحا في مرسمها الخاص، فقد حوَّلت الفتاة غرفتها الصغيرة لمرسم ومكانا لعرض أعمالها بذات الوقت، فهي ترفض إقامة معرض خاص بها لقناعتها بضرورة التطور أكثر رغم أن أعمالا لها طافت مدنا محلية وغربية ضمن مشاركات فلسطينية.

وفي أدواتها أبدعت سكينة باستخدام ألوان الأكرليك والحبر الصيني أكثر من غيرهما، لكنها لم تسقط الزيت أو الماء، واتبعت مدرسة تجمع فيها بين الواقع والتعبير والانطباع “فيكون لي ضربتي بالريشة وإحساسي الخاص” لتغدو واحدة من فنانين فلسطينيين قلائل أبدعوا واستمروا برسم الطبيعة.

وترى سكينة أن التميز يكمن بالاختلاف عن الآخرين ومواكبة التطور، فرسمها يقتصر على استخدام ألوان وقماش بعينه.

احتضان أسري

لكن ما شجعها أكثر وواكب نجاحها هو دعم العائلة الدائم والمستمر لها، فوالدها فارس صلاح الدين أستاذ التاريخ المتقاعد يرى أن ابنته لا ترسم كالآخرين بل تحافظ على رونق جميل يرتكز على التخيل من التصور الذي هو استعادة لصورة قديمة ورسمها.

ويقول والد الفنانة: سكينة ذهبت باتجاه التخيل وذلك باستعادة مجموعة من الصور ودمجها معا للخروج عمل فني جميل “وهي هنا تجمع بين الإبداع وعمق المضمون”.

ونحن نغادر حزما كانت عيوننا تودع القدس، فالمدينة التي لا تبعد سوى دقائق معدودة عن القرية باتت أسمى طموح سكينة للعودة وللذكريات فيها وإطلاق العنان لإبداعها الفني ولمر الحياة بالمدينة المقدسة وحلوها.

المصدر : الجزيرة

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Loading...